ابراهيم بن عمر البقاعي
206
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولا تضيعوها ، وذلك أنه خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هي أبوكم آدم عليه الصلاة والسّلام مذكرا بعظيم قدرته ترهيبا للعاصي وترغيبا للطائع توطئة للأمر بالإرث ، وقد جعل سبحانه الأمر بالتقوى مطلعا لسورتين : هذه وهي رابعة النصف الأول ، والحج وهي رابعة النصف الثاني ، وعلل الأمر بالتقوى في هذه بما دل على كمال قدرته وشمول علمه وتمام حكمته من أمر المبدإ ، وعلل ذلك في الحج بما صور المعاد تصويرا لا مزيد عليه ، فدل فيها على المبدإ والمعاد تنبيها على أنه محط الحكمة ، ما خلق الوجود إلا لأجله ، لتظهر الأسماء الحسنى والصفات العلى أتم ظهور يمكن البشر الاطلاع عليه ، ورتب ذلك على الترتيب الأحكم ، فقدم سورة المبدإ على سورة المعاد لتكون الآيات المتلوة طبق الآيات المرئية ، وأبدع من ذلك كله وأدق أنه لما كان أعظم مقاصد السورة الماضية المجادلة في أمر عيسى ، وأن مثله كمثل آدم عليهما الصلاة والسّلام ، وكانت حقيقة حاله أنه ذكر تولّد من أنثى فقط بلا واسطة ذكر ؛ بين في هذه السورة بقوله - عطفا على ما تقديره جوابا لمن كأنه قال : كيف كان ذلك ؟ - إنشاء تلك النفس ، أو تكون الجملة حالية - وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها أي مثله في ذلك أيضا كمثل حواء : أمه ، فإنها أنثى تولدت من ذكر بلا واسطة أنثى ، فصار مثله كمثل كل من أبيه وأمه : آدم وحواء معا عليهما الصلاة والسّلام ، وصار الإعلام بخلق آدم وزوجه وعيسى عليهم الصلاة والسّلام - المندرج تحت آية بعضكم من بعض مع آية البث التي بعد هذه - حاصرا للقسمة الرباعية العقلية التي لا مزيد عليها ، وهي بشر لا من ذكر ولا أنثى ، بشر منهما ، بشر من ذكر فقط ، بشر من أنثى فقط ؛ ولذلك عبر في هذه السورة بالخلق ، وعبر في غيرها بالجعل ، لخلو السياق عن هذا الغرض ، ويؤيد هذا أنه قال تعالى في أمر يحيى عليه الصلاة والسّلام كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ [ آل عمران : 40 ] ، وفي أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام يَخْلُقُ ما يَشاءُ [ آل عمران : 47 ] ، وأيضا فالسياق هنا للترهيب الموجب للتقوى ، فكان بالخلق الذي هو أعظم في إظهار الاقتداء - لأنه اختراع الأسباب وترتيب المسببات عليها - أحق من الجعل الذي هو ترتيب المسببات على أسبابها وإن لم يكن اختراع - فسبحان العزيز العليم العظيم الحكيم ! . ولما ذكر تعالى الإنشاء عبر بلفظ الرب الذي هو من التربية ، ولما كان الكل - المشار إليه بقوله تعالى عطفا على ما تقديره : وبث لكم منه إليها : وَبَثَّ مِنْهُما أي فرق ونشر من التوالد ، ولما كان المبثوث قبل ذلك عدما وهو الذي أوجده من العدم نكر لإفهام ذلك قوله : رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً من نفس واحدة ؛ كان إحسان كل من الناس إلى كل منهم من صلة الرحم ، ووصف الرجال دونهن مع أنهن أكثر منهم إشارة